لن ينتج شيء عن سفر رئيس الحكومة ووزير الجيش هذا إلى واشنطن. فبنيامين نتنياهو وإيهود باراك لا يؤمنان بالمسيرة السلمية ويريدان إفشالها. يرى نتنياهو أمام عينيه الدولة الفلسطينية التي التزامها في خطبة بار ايلان في حزيران الأخير. اكبر كابوس عنده هو أن يراها تتحقق. من اجل ذلك اشترط شروطا غير ممكنة في الطريق إليها. ومن اجل ذلك كتب كتبا ثخينة عن الخطر الذي يكمن في هذه الدولة، ولم يرجع عن أي كلمة كتبها. لن يجعله وعيه يتخلى من نصف البلاد لمصلحة الفلسطينيين.
ولا يحسن أيضا أن تؤثر فينا تصريحات وزير الجيش إيهود باراك في مسيرة ذكرى اسحاق رابين أمام عشرات ألاف الناس، صفر كثيرا منهم احتقارا له. إن من يزعم أن الوقت لا يعمل في مصلحتنا، وان المسيرة السلمية ضرورية بل يحث أبا مازن على الإتيان بمائدة التفاوض لم يخل حتى نصف كرفان في البؤرة الاستيطانية غير القانونية جيفعات افيغيل. يستطيع نتنياهو أن يتحدث عن كف جماح المستوطنات، ويستطيع باراك أن يفخر بقوله "أنا ابني ربع ما بنيت عندما كنت رئيس الحكومة" لكن عضو الكنيست يعقوب كاتس (الاتحاد الوطني) وهو من سكان بيت ايل يقول إن "كل ذلك سخافات. نحن نبني في المستوطنات بلا نهاية. المشكلة هي في القدس فقط".
لا يستطيع نتنياهو أن يتقدم حتى لو أراد. فهو يرى شركاءه في المجلس الوزاري المصغر ويخاف. أن الوزراء ليبرمان وبيغن ويعلون ويشاي يقيدون رجليه بحبال مجدولة جيدا. كذلك ما يزال الوزير باراك، الذي انضم إلى الحكومة ليقود مسيرة السلام، يحمل صدمة لقائه ياسر عرفات في كامب ديفيد، الذي يأس على أثره من كل احتمال للتوصل إلى اتفاق. منذ كامب ديفيد اعتاد باراك الاستهزاء بالقادة الفلسطينيين الذين يشغلون أنفسهم بالتفاوض، ولا سيما أبو علاء "الذي يقول كذا، ويفعل كذا ويتذاكى كذا وكذا ولا يريد التوصل إلى أي مكان".
كانت تسيبي لفني وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت مع باراك. يحسن أن نعلم ما تقول في أحاديث داخلية. أن باراك، على حسب لفني، مقتنع بأنه عرض على الفلسطينيين أقصى قدر. ولأنهم رفضوا، فلا فائدة من التفاوض، ولا يستطيع احد سواه الوصول إلى المكان الذي اخفق فيه. تزعم لفني أن باراك اعتاد التشويش على المحادثات التي أجرتها مع أبي علاء، التي كانت مرهقة، وانحرفت أحيانا إلى حد الاقتباس من كتب اسحاق رابين عن طرد الرملة. عندما كانوا يحتاجون إلى عاموس جلعاد أو مسؤولين كبار آخرين من وزارة الجيش في المحادثات، اهتم باراك بألا يحضر. باراك ينكر ذلك.
اقتبس من قول رئيس الدولة شمعون بيرس أول من أمس كمن قال إن نتنياهو وباراك جرحا أبا مازن. يصعب إعفاء الرئيس الفلسطيني من المسؤولية عن التفاوض المتعثر. يتظاهر أبو مازن بأنه مسكين ويقفز على الحبل بين "يريد" و"يستطيع". حتى لو كان يريد، فهو لا يستطيع التوصل إلى حل بل ولا يستطيع إجراء تفاوض جدي تصحبه تنازلات في فترة انتخابات في السلطة الفلسطينية، وعلى نحو عام. يصعب أيضا أن نفهم لماذا ترك غرفة المباحثات بعد أن اقترح عليه إيهود أولمرت كل شيء تقريبا، ولماذا لا يضغط من اجل ما وعد به ليمضي قدما.
إن الرئيس الأمريكي اوباما شريك في مهانة السلام العامة هذه. فقد التزم قبل سنة حل النزاع في غضون سنتين، لكنه لم ينجح منذ ذلك الحين في أن يقدم التفاوض ملمتر واحد. حتى أن الصفقة الصغيرة التي حاول الأمريكيون عقدها، وهي تجميد الاستيطان عوض التطبيع والطيران إلى الهند من طريق السعودية لم تنجح. من المثير أن نعلم كيف يريد الرئيس تقديم السلام سريعا إذا كان يهرب من لقاء رئيس الحكومة الذي يأتي واشنطن؟ أيأس هو أيضا.
معاريف