في البدء، يحسن اخذ كلام محمود عباس في استقالته من منصبه بجدية. فأبو مازن يكره الولاية، فقد فرض عليه منصب رئيس السلطة الفلسطينية تقريبا، وأعلن منذ اللحظة الأولى انه سيتولى لولاية واحدة فقط.
برغم انه قد برهن على انه يستطيع الاستقالة عندما لا يعجبه مضمون الوظيفة، كما استقال بعد ولايته رئاسة الحكومة نصف سنة، ما يزال العالم يعجب من انه يعلن بأنه لن يرشح نفسه بعد. يميل كثيرون إلى رؤية ذلك وسيلة ضغط سياسي. لكنها ليست وسيلة ولا ضغطا. يبدو انه لن يرجع عن ذلك.
ثانيا، ثم إمكان حقيقي لعدم إقامة انتخابات السلطة الفلسطينية (بغير غزة، بسبب حماس؛ وربما بغير القدس، بسبب حكومة إسرائيل) في كانون الثاني، وعلى ذلك فسيستمر نظام الطوارئ الفلسطيني.
ولما كان عباس لم يستقل ولايته الحالية، فمن المعقول افتراض أن يوافق على البقاء في منصبه حتى الانتخابات. يحسن استغلال هذا الإمكان لأنه يصعب أن نستحضر في أذهاننا محادثا فلسطينيا في المستقبل يلتزم السلام مثله؛ ويصعب أن نفترض أن يوجد في القريب زعيم آخر يرفض خيار العنف مثله.
وثالثا، ينبغي أن ندرك أن عباسا لا يستطيع التخلي من شرط تجميد المستوطنات لبدء مفاوضة (إسرائيل). صحيح انه لن تشترط في الماضي شروط كهذه، لكن وجد ها هنا خطأ أمريكي شديد بأن الرئيس براك اوباما اشترط ذلك في بدء الطريق شرطا للتفاوض، وهادن بعد ذلك وأصبح مستعدا للاكتفاء "بالضبط". لم يكن عباس يستطيع التخلف وراء اوباما، واشترط التجميد هو أيضا. في اللحظة التي تراجع فيها اوباما، ترك عباسا وحده، في وضع لا يستطيع الرجوع عنه من غير أن يدفع ثمنا سياسيا يجعله هزأة.
انه يستطيع المصالحة في المدة الزمنية لكن لا في التجميد. لهذا يمكن على خلفية هذه الأمور فعل عمل قبل نزول عباس عن المنصة السياسية.
هذه فرصة اوباما لإصلاح خطأ إدارته الكبير في سياق الشرق الأوسط، وان يطلب إلى الأطراف بدء تفاوض من الفور لمدة ثلاثة أشهر يضمن فيها نتنياهو تجميدا تاما للبناء في المستوطنات (كالمدة الزمنية التي وافق عليها مناحيم بيغن زمن التفاوض في اتفاق السلام مع مصر قبل ثلاثين سنة).
سيكون هذا تفاوضا يمكن أن يقوم على كل ما تم في الماضي، من غير التزام أي اقتراح من الماضي. يحتاج اوباما إلى انجاز سياسي كهذا كاحتياج الظمآن للماء. وسيحقق عباس حلم حياته، ويترك تراثا تاريخيا، أما نتنياهو فسيضطر إلى جواب سؤال هل يريد السلام حقا أم أن قصده كله هو أن يتجاوز بسلام مدة ولايته الثانية.
إسرائيل اليوم